أحمد بن محمد القسطلاني
459
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بخير كان دليلاً على أنه من أهل الجنة ، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا ، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة ، وهذا الإلهام يستدل به على تعيينها ، أو بهذا تظهر فائدة الثناء اه - . 1368 - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ : " قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ - وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ - فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا ، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه - : وَجَبَتْ . ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا ، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه - : وَجَبَتْ . ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا ، فَقَالَ : وَجَبَتْ . فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ . فَقُلْنَا : وَثَلاَثَةٌ ؟ قَالَ : وَثَلاَثَةٌ . فَقُلْنَا : وَاثْنَانِ ؟ قَالَ : وَاثْنَانِ . ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ " . [ الحديث 1386 - طرفه في : 2643 ] . وبه قال : ( حدّثنا عفان بن مسلم ) بكسر اللام المخففة ، زاد أبو ذرة هو الصفار ، قال ( حدّثنا داود بن أبي الفرات ) بلفظ النهر ، واسمه عمرو الكندي ( عن عبد الله بن بريدة ) بضم الموحدة وفتح الراء آخره هاء تأنيث ( عن أبي الأسود ) ظالم بن عمرو بن سفيان الديلي ، بكسر الدال المهملة وسكون التحتية ، ويقال : الدؤلي بضم الدال بعدها همزة مفتوحة ، وهو أول من تكلم في النحو بعد عليّ بن أبي طالب . قال الحافظ ابن حجر : ولم أره من رواية عبد الله بن بريدة عنه ، إلا معنعنًا . وقد حكى الدارقطني في كتاب التتبع ، عن عليّ بن المديني : أن ابن بريدة إنما يروي عن يحيى بن معمر ، عن أبي الأسود ، ولم يقل في هذا الحديث : سمعت أبا الأسود . قال الحافظ ابن حجر ، وابن بريدة ولد في عهد عمر ، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب ، لكن البخاري لا يكتفي بالمعاصرة ، فلعله أخرجه شاهدًا أو اكتفى للأصل بحديث أنس السابق . ( قال ) أي : أبو الأسود : ( قدمت المدينة ) النبوية - ( وقد وقع بها مرض ) - جملة حالية ، زاد في الشهادات : وهم يموتون موتًا ذريعًا . وهو بالذال المعجمة أي سريعًا ( فجلست إلى ) أي : عند ( عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فمرت بهم جنازة ، فأثني ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول ( على صاحبها خيرًا ) كذا في جميع الأصول بالنصب ، ووجهه ابن بطال ، بأنه أقام الجار والمجرور ، وهو قوله : على صاحبها مقام المفعول الأول وخيرًا مقام الثاني وإن كان الاختيار عكسه . وقال النووي : منصوب بنزع الخافض ، أي أثنى عليها بخير . وقال في مصابيح الجامع : على صاحبها ، نائب عن الفاعل ، وخيرًا : مفعول لمحذوف . فقال المثنون خيرًا . ( فقال عمر ، رضي الله عنه : وجبت ثم مرّ ) بضم الميم ( بأخرى ، فأثني على صاحبها ) فقال المثنون : ( خيرًا ، فقال عمر ، رضي الله عنه ، وجبت ثم مر ) بضم الميم ( بالثالثة ، فأثني على صاحبها ) فقال المثنون ( شرًّا ، فقال ) عمر رضي الله عنه : ( وجبت . فقال أبو الأسود ) المذكور بالإسناد السابق ، ( فقلت وما ) معنى قولك لكل منهما ( وجبت يا أمير المؤمنين ) : مع اختلاف الثناء بالخير والشر . ( قال ) عمر : ( قلت كما قال النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هو المقول ، وحينئذ فيكون قول عمر ، رضي الله عنه لكل منهما وجبت ، قاله بناء على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أدخله الله الجنة . ( أيما مسلم شهد له أربعة ) من المسلمين ( بخير ، أدخله الله الجنة ) . ( فقلنا ) أي عمر وغيره ( وثلاثة ؟ قال ) عليه الصلاة والسلام : ( وثلاثة . فقلنا : واثنان ؟ قال ) عليه الصلاة والسلام ( واثنان ) . ( ثم لم نسأله عن الواحد ) استبعادًا أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم ، بأقل من النصاب . واقتصر على الشق الأول اختصارًا ، أو لإحالة السامع على القياس . وفي حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت عن أنس ، عند أحمد ، وابن حبان والحاكم مرفوعًا : ما من مسلم يموت ، فيشهد له أربعة من جيرانه الادنين ، أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا ، إلا قال الله تعالى قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون وهذا يؤيد قول النووي السابق : إن من مات فألهم الله الناس الثناء عليه بخير ، كان دليلاً على أنه من أهل الجنة ، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا . وهذا في جانب الخير واضح ، وأما في جانب الشر ، فظاهر الأحاديث أنه كذلك ، لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره ، وقد وقع في رواية النضر عند الحاكم : إن لله تعالى ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المؤمن من الخير أو الشر . وهل يختص الثناء الذي ينفع الميت بالرجال ، أو يشمل النساء أيضًا . وإذا قلنا إنهن يدخلن ، فهل يكتفى باْمرأتين ، أو لا بد من رجل واْمرأتين ؟ محل نظر . وقد يقال : لا يدخلن ، لقصة أم العلاء الأنصارية ، لا أثنت على عثمان بن مظعون بقولها : فشهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى . فقال لها النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وما يدريك أن الله أكرمه ، فلم يكتف بشهادتها ، لكن يجاب بأنه عليه الصلاة والسلام ، إنما أنكر عليها القطع بأن الله أكرمه ، وذلك مغيب عنها ، بخلاف الشهادة للميت